التفتازاني

68

شرح العقائد النسفية

واعلم : أنه لما كان أحوال القبر مما هو متوسط بين أمر الدنيا والآخرة ، أفردها بالذكر ، ثم اشتغل ببيان حقيقة الحشر ، وتفاصيل ما يتعلق بأمور الآخرة . ودليل الكل : انها أمور ممكنة أخبر بها الصادق ونطق بها الكتاب والسنة ، فتكون ثابتة . وصرح بحقيقة كل منهما تحقيقا وتوكيدا واعتناء بشأنه ، فقال : ( والبعث ) وهو أن يبعث الله تعالى الموتى من القبور ، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية ويعيد الأرواح إليها ( حق ) لقوله تعالى : « ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ » « 1 » وقوله تعالى : « قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ » « 2 » إلى غير ذلك من النصوص القاطعة الناطقة بحشر الأجساد . وأنكر الفلاسفة . بناء على امتناع إعادة المعدوم بعينه ، وهو مع أنه لا دليل لهم عليه « 3 » يعتد به ، غير مضر بالمقصود . لأن مرادنا : أن الله تعالى يجمع الأجزاء الأصلية للانسان ، ويعيد روحه إليه ، سواء سمى ذلك إعادة المعدوم بعينه ، أو لم يسم . وبهذا يسقط ما قالوا : انه لو أكل انسان انسانا ، بحيث صار جزءا منه ، فتلك الأجزاء اما أن تعاد فيهما . وهو محال ، أو في أحدهما ، فلا يكون الآخر معادا ، بجميع أجزائه . وذلك لأن المعاد انما هو الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره ، والأجزاء المأكولة فضلة والآكل ، لا أصلية . فان قيل : هذا قول بالتناسخ ، لأن البدن الثاني ليس هو الأول ، لما ورد في الحديث من أن أهل الجنة جرد مرد مكحلون « 4 » . وأن الجهني ضرسه مثل جبل أحد - ومن هاهنا « 5 » قال من قال : « ما من مذهب الا وللتناسخ فيه قدم راسخ » - قلنا : انما يلزم التناسخ ، لو لم يكن البدن الثاني ، مخلوقا من الأجزاء الأصلية للبدن الأول ، وان سمى مثل ذلك تناسخا ، كان ذلك نزاعا في مجرد الاسم . ولا دليل على استحالة إعادة الروح إلى مثل هذا البدن ، بل الأدلة قائمة على حقيته ، سواء سمى تناسخا أم لا . [ الوزن حق ] ( والوزن حق ) لقوله تعالى : « وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ » « 6 » والميزان

--> ( 1 ) المؤمنون 16 . ( 2 ) يس 79 . ( 3 ) عليه : ط . ( 4 ) مكحلون : ط . ( 5 ) وهكذا : خ - ومن هاهنا : ط . ( 6 ) الأعراف 8 .